مؤسسة مجلس الوزراء
المقدمة
عرف المغرب منذ الاستقلال إلى حدود اليوم ستة دساتير أولها كان سنة 1962 و آخرها كان سنة 2011 كرست جميعها نظاما ملكيا ، يسود فيه الملك و يحكم مترئسا للسلطة التنفيذية على اعتبار المؤسسة الملكية أهم فاعل في النظام السياسي المغربي ، فالملك ذو مكانة عالية وسامقة يستمدها من كونه أميرا للمؤمنين وفقا لمقتضيات الفصل 41 من الدستور الجديد[1] و باعتباره رئيس الدولة المغربية وفقا للفصل 42 من الدستور[2] ، و من خلال هذه المكانة التي يحتلها فهو يمارس صلاحيات واسعة في ظروف اعتيادية وأخرى استثنائية ، إلى جانب ذلك فهو يشترك بعض الصلاحيات إلى جانب رئيس الحكومة الذي يتحمل في هذا الصدد المسؤولية السياسية والجنائية على القرارات المتخذة في هذا الشأن ، ويبرز ذلك بشكل واضح من خلال صلاحيات رئاسة المجلس الوزاري الذي يعتبر هيئة رئيسية لاتخاذ مختلف القرارات داخل السلطة التنفيذية التي تهم سياسة الحكومة على المستوى الوطني و الدولي ، و يجد هذا المجلس أصوله التاريخية في مؤسسة قديمة في النظام البريطاني و هي : " المجلس الخاص " الذي نشأ إثر ثورة 1688 ، و الذي كان يتكون من أعضاء يختارهم الملك وحده دون أن يكون للبرلمان دخل في ذلك ، و كان بمثابة جهاز استشاري إلى جانب الملك[3].
وظل يشكل مؤسسة محورية في النظام البرلماني ، و مبررا للمسؤولية التضامنية للوزراء أمام البرلمان باعتباره هيئة للاجتماع الوزاري ، و ممرا دستوريا إلزاميا لجميع القرارات الحكومية .
وليصبح فيما بعد المجلس الوزاري أهم تنظيم دستوري للحكومات في البلدان البرلمانية و شبه البرلمانية يجمع كل الوزراء لمداولة و إعلان مجموعة من وجهات النظر حول مواضيع معينة قبل البث النهائي فيها ، كما يعتبر فرصة لإقرار التوجهات العامة للبلاد بين الوزير الأول ورئاسة الدولة ، ووسيلة للتعبير عن الاختلافات بين مكونات الحكومة من ناحية أخرى[4].
اما بالنسبة للمغرب فإن المجلس الوزاري لم يعرف الوجود إلا بعد الاستقلال و قد ظهر نتيجة لوعي المشرع الدستوري بضرورة اتباع آليات العمل الجماعي للحكومة ، بعدما كان يتم قبل الحماية حسب النهج المتبع في النظم الرئاسية ، و التي لا تعترف بهذا الجهاز الجماعي المتمثل في مجلس الوزراء إذ تشكل رئاسة الدولة في ظل هذه الانظمة اهم مركز لاتخاذ القرار ، فالرئيس يدرس ملفات الوزراء كل في مجال اختصاصاته رأسا لرأس كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية[5].
ومن خلال استقرائنا للدساتير التي عرفها المغرب نجدها تنص صراحة على أن الملك يتولى رئاسة المجلس الوزاري ، حيث ساير في هذا المنوال نظيره الفرنسي و ذلك في مادته التاسعة من دستور الجمهورية الخامسة التي أكدت أن رئيس الجمهورية يرأس مجلس الوزراء[6] وهذه الصلاحية تعطي حسب الأنظمة توازن على مستوى القوى السياسية حقائق مختلفة فقد تكون رئاسة المجلس الوزاري ذات طابع بروتوكولي و شكلي أكثر من حقيقي .
وفي هذا الصدد نميز في لحياة الدستورية المغربية بين مجموعة من المحطات ، حيث نجد محطتين و هما ما قبل دستور 2011 و أخرى ما بعد دستور 2011 ، و تنبع اهمية دراسة موقع و مكانة مؤسسة المجلس الوزاري في الهندسة الدستورية الجديدة ، بالنظر من جهة الى السياق الذي ادى الى تعديل الدستور ، و من جهة اخرى الى الوثيقة الدستورية الجديدة و ما تحمل بين طياتها من تعديلات تخص الملكية ، لذا نتساءل ماهي مكانةمؤسسة المجلس الوزاري في الهندسة الدستورية الجديدة والمستجدات والصلاحيات التي جاء بها هذا الدستور فيما يخص هذه المؤسسة ؟ و كيف تم تنظيمها ؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات سنحاول التطرق إليها من خلال التصميم التالي:
ü المطلب الأول : المجلس الوزاري قبل و بعد دستور2011.
· الفقرة الأولى : المجلس لوزاري قبل دستور 2011 .
· الفقرة الثانية : المجلس الوزاري بعد دستور 2011.
ü المطلب الثاني : قيادة الملك للعمل الحكومي من خلال المجلس الوزاري :
· الفقرة الأولى : قراءة في الفصل 49 من دستور 2011 .
· الفقرة الثانية : احتواء المجلس الوزاري للمجلس الحكومي :
المطلب الأول : المجلس الوزاري قبل و بعد دستور2011.
نميز في الحياة الدستورية المغربية بين مجموعة من المحطات ، حيث نجد محطتين قبل دستور 2011 و أخرى ما بعد دستور 2011 ، و هي التي جاءت بمجموعة من المستجدات في هذا الخصوص و التي سنحاول التطرق إليها من خلال المطلبين التاليين :
الفقرة الأولى : المجلس الوزاري قبل دستور 2011 .
الفقرة الثانية : المجلس الوزاري بعد دستور 2011 .
الفقرة الأولى : المجلس لوزاري قبل دستور 2011 .
بالرجوع إلى الدساتير التي عرفها المغرب قبل دستور 2011 سنجد أن هناك محطتين في تاريخ المجلس الوزاري ، ففي دستوري 1962 و 1970 نجد الفصل 25 منه ينص على أن الملك يرأس المجلس الوزاري.
و المحطة الثانية كانت مع دستور 1972 و في المراجعتين الدستوريتين ل 1992 و 1996 حيث تم التنصيص بالإضافة إلى رئاسة المجلس الوزاري من لذن لملك إلى تحديد المسائل التي تحال على المجلس الوزاري قبل البث فيها[7].
فقد كان الفصل 25 من الدستور المراجع لسنة 1996 ينص على أن الملك يترأس مجلس الوزراء ، و يختص المجلس الوزاري برئاسة الملك بالبث في المسائل ذات الأهمية الكبرى في شؤون الدولة و التي بينها الفصل 66 من دستور 1996 و يتعلق الامر :
- القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة .
- الاعلان عن حالة الحصار .
- اشهار الحرب .
- طلب الثقة من مجلس النواب قصد مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها .
- مشاريع القوانين قبل ايداعها بمكتب اي مجلس من مجلسي البرلمان.
- المراسيم التنظيمية .
المراسيم المشار اليها في الفصول 40-41-54-55 من هذا الدستور .
- مشروع المخطط .
- مشروع مراجعة الدستور .
اذا كان دستور 1996 قد اوكل بالبث في تلك الاختصاصات الى المجلس الوزاري ، بان تنظيمها و التهيء من اجل البث فيها هي مسئولية الوزير الأول لذي يملك السلطة التنظيمية و ذلك بتنسيق عمل الوزراء باعتباره المنسق للأنشطة الوزارية " الفصل 65 من دستور 1996 " مطبقا في ذلك التعليمات الملكية بالإضافة الى ان الوزير الاول يمكنه ان يبدي وجهة نظره في هذه المسائل بمناسبة انعقاد المجلس الوزاري و التي لا تقيد الملك الذي يعود له وحده اتخاذ القرارات النهائية التي تعرض على المجلس الوزاري[8].
كما ان عدم مشاركة الوزير الاول في المجلس الوزاري لسبب من الاسباب لا يعيب اجتماع المجلس الذي لا يمكن في المقابل ان يجتمع الا تحت رئاسة الملك او من يراه اهلا لذلك و ذلك بتفويض منه و بجدول اعمال محددة من طرفه.
بالرغم من ان الدستور لم يحدد الجهة التي تنوب عن الملك في رئاسة المجلس الوزاري الا انه بالمقابل ليس من الناحية الدستورية ما يمنع الملك بتفويض رئاسة المجلس الوزاري لمن يراه اهلا لذلك[9].
وقد شهدت الممارسة حالات استثنائية جدا فيما يخص التفويض في زمن ما قبل الدسترة و برئاسة و لي العهد لبعض المجالس [10].
و من هنا يمكن اعتبار المجلس الوزاري المؤسسة الوحيدة التي نص عليها الدستور قبل 2011 و التي تهتم بمناقشة العمل الحكومي .
ورئاسة الملك لهذا المجلس تخوله حق الانفراد و الاستئثار لكل ما يتعلق بتوجيه سياسات الدولة كأصل عام و المقرر الوحيد بخصوص المواضيع الاساسية في اطار المجلس الوزاري ، وهذا ما يؤكد تبعية الحكومة المطلقة للملكية[11] في لدساتير السابقة عن دستور2011.
و من هنا يبقى دور الحكومة في المغرب مقتصر على مناقشة و مداولة و اعطاء الرأي.
الفقرة الثانية : المجلس الوزاري بعد دستور 2011.
إن مقتضيات الفصل 48 من الدستور تؤكد بأن دفة البلاد و سياستها تدار و تتداول داخل المجلس الوزاري ، فلقد حافظ الدستور الجديد على عدم تحديد انعقاد المجلس بصفة دورية و بمبادرة من الملك رغم أن الدستور أضاف أو بطلب من رئيس الحكومة . و جاءت أولى القضايا المهمة التي يتداول فيها المجلس الوزاري و هي " التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة " إذن حينما نتكلم عن إستراتيجية الدولة فإن الأمر يتعلق بإجراء الدراسات و التشخيصات الإستراتيجية و رسم التوجه العام و يبقى على الحكومة أن تنفذ هذه السياسة[12] .
زد على ذلك أن تمويل العمل الحكومي هو رهين أيضا بالتوجه الذي يرسمه المجلس الوزاري حيث أن هذا الأخير هو الذي يبث في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية العامة .
ولا يمكننا أن ننسى قائمة التعيينات التي يمارسها الملك و كذا ترأسه لمجموعة من المجالس الهامة فالملك إذن يترأس .
ـ المجلس الوزاري ( الفصل 48) .
ـ المجلس الأعلى للأمن ( الفصل 54 ).
ـ المجلس الأعلى للسلطة القضائية ( الفصل 115/65) .
ـ المجلس العلمي ( الفصل 41) .
نلاحظ إذن تبعية الحكومة للمؤسسة الملكية لم تتبدل رغم الدستور الجديد كما أن الحضور القوي للملك يظهر من خلال ما وضعنا سابقا زد على ذلك مجموعة من الصلاحيات التقليدية سيتم التطرق إليها في وقتها .
إن تحصين مركز المؤسسة الملكية و دعم هيمنتها ينبع كذلك من المقتضيات الخاصة بتعديل الدستور حيث أن مسطرة التعديل تمكنه من حضور قوي و تؤمنه من الرجوع إلى الاستفتاء الشعبي كما جاء في مقتضيات الفصل 174 .
أما فيما يخص العلاقات بين السلط ، فقد توحي قراءة متسرعة للدستور الجديد بأن هناك تقسيما واضحا للسلطة على المستوى التنفيذي بين الملك و المجلس الوزاري من جهة ، و رئيس الحكومة و المجلس الحكومي من جهة أخرى ، فلتمكين الحكومة التي تعين من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب من أساس دستوري لممارسة مسؤوليتها تمت دسترة مجلس الحكومي و تحديد اختصاصاته في تكامل و تمايز مع مجلس الوزراء[13] .
لكن عندما نتمعن في المعيار الدستوري ككل نلاحظ أن المجلس الوزاري يحتل مكانة أهم من مجلس الحكومة ، فهو احتفظ بصلاحيات استراتيجية و تحكمية و توجيهية ، "خطاب 17 يونيو 2011 " فهو يتداول في التوجيهات الاستراتيجية للدولة و يتداول في مشاريع مراجعة الدستور ، أي في السلطة التأسيسية الفرعية و القوانين التنظيمية ، أي تلك القوانين التي تحدد المبادئ العامة للدستور ، و كذلك مصير المؤسسات الاساسية في الدولة و التي هي بمثابة دستور داخل دستور ، ناهيك على أن المجلس الوزاري يقرر السياسة الاقتصادية و المالية و الثقافية و الاجتماعية للدولة من خلال تحديد التوجهات العامة لمشروع قانون المالية (الفصل 49) و مشاريع القوانين الاطار التي يعرفها الفصل (71) ، دون أن نغفل أن المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك ينظر في قضايا أخرى من مثل مشاريع قوانين العفو العام و النصوص المتعلقة بالمجال العسكري و اعلان حالة الحصار و إشهار الحرب و يحال إليه مشروع مرسوم رئيس الحكومة القاضي بحل مجلس النواب ، و ينظر كذلك في التعيينات باقتراح رئيس الحكومة ، و يحال إليه القانون التنظيمي المحدد للائحة المؤسسات الاستراتيجية للدولة[14].
ولا ننسى في هذا الاطار أن الدستور الجديد لم ينص على ضرورة انعقاد المجلس الوزاري بصفة دورية ، فهو ما زال ينعقد بمبادرة من الملك و ليس بمبادرة من رئيس الحكومة رغم أن الدستور اضاف " أو بطلب من رئيس الحكومة " الشيء الذي يعني أن الطلب الموجه للملك يمكن أن يرفض ، كما يمكن لهذا الأخير أن يتجاهله أو أن يجيب عليه بعد شهر أو سنة . الأمر الذي يعطي للملك إمكانية ضبط إيقاع العمل الحكومي و التحكم فيه ، و يمكن أن يفوض لرئيس الحكومة بناء على جدول أعمال محدد رئاسة المجلس الوزاري .
وعليه فالمجلس الوزاري الذي يترأسه الملك يختص بالقضايا الأساسية في الدولة . و تجدر الإشارة هنا أن النص الجديد تخلى عن بعض الصلاحيات و الاوصاف الملكية ، و لكنه في نفس الوقت نص على اختصاصات جديدة . و هكذا فإن المكتسبات التي أعطيت باليد اليمنى قد أخذت باليد اليسرى .
و قد تخلى الدستور الجديد عن صلاحيات الملكية المتمثلة في " التمثيل السامي للأمة " حيث أصبح الملك رئيسا للدولة و ممثلها الأسمى ، لكن هذه الصلاحيات تم تعويضها بصلاحيات جديدة ، كما أن شخص الملك لم يبق مقدسا كما كان ينص على ذلك الفصل 23 من دستور 1996[15] لكنه تم تعويض ذلك بمقتضى جديد ينص على أن " الملك واجب التوقير و الاحترام " الفصل (46) كرئيس للدولة و كأمير للمؤمنين[16] .
المطلب الثاني : قيادة الملك للعمل الحكومي من خلال المجلس الوزاري :
لقد كان مركز الحكومة في ظل دستور 1996 ، يجعل منها الطرف الضعيف في ثنائية الجهاز التنفيذي. و من تم فإن الحكومة من الناحية الواقعية لم تكن تشكل مؤسسة سياسية مستقلة في مجال رسم التوجهات العامة للدولة ، بقدر ما تشكل و سيلة في يد رئيس الدولة ، و مرد ذلك الى وجود من أنيطت به مهمة قيادة و توجيه السياسة الكبرى للأمة الا و هو الملك الذي يسود و يحكم ، و يتحكم في دواليب السياسة الوطنية من خلال رئاسته للمجلس الوزاري . غير أن دستور 2011 تجاوز هذا الأمر و مكن رئيس الحكومة من عدة صلاحيات ، ارتقت بهذه المؤسسة إلى سلطة ذات اختصاصات موسعة.لكن التساؤل المطروح هو إلى أي حدعزز دستور 2011 مكانة الحكومة في الخريطة السياسية للمملكة ؟
بقراءتنا للدستور الجديد ، نلاحظ بأنه كسابقه كرس هيمنة المؤسسة الملكية على السلطة التنفيذية وتبعية الحكومة و البرلمان و القضاء ، لكن سنركز على دراسة تبعية المجلس الحكومي لمجلس الوزراء كما سنحاول تحليله من خلال الطلبين التاليين.
الفقرة الأولى: قراءة في الفصل 49 من دستور 2011 .
لقد جدد الفصل 49 من الدستور المسائل التي تتداول في المجلس الوزاري و هي كالتالي :
التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة ،
مشاريع مراجعة الدستور ،
مشاريع القوانين التنظيمية ،
التوجهات العامة لمشروع قانون المالية ،
مشاريع قوانين الاطار المشار اليهما في الفصل 71 الفقرة الثانية من هذا الدستور،
مشروع قانون العفو العام ،
مشاريع النصوص المتعلقة بالمجال العسكري ،
اعلان حالات الحصار،
اشهار الحرب ،
مشروع المرسوم المشار اليه في الفصل 104 من هذا الدستور ،
التعيين باقتراح من رئيس الحكومة و بمبادرة من الوزير المعني في الوظائف المدنية و لوالي بنك المغرب ، و السفراء و الولاة و العمال و المسئولين عن الادارات المكلفة بالأمن الداخلي و المسئولين عن المؤسسات و المقاولات العمومية الاستراتيجية.
الا انه سنركز من خلال دراستنا لهذا الفصل على مسألتين اساسيتين و هما :
- التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة .
- مسألة التعيينات .
نص الفصل 49 : «يتداول المجلس الوزاري ... في التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة». ومعناه أن الملك (باعتباره «رئيس» المجلس الوزاري) هو الذي يقرر، في آخر المطاف، في تحديد هذه «التوجهات الاستراتيجية» والملاحظ بخصوص هذه الصلاحية أن المشرع الدستوري لم يحدد لنا المقصود بهذه الضلاحية وانما تركها على اطلاقها باعتباره مفهوما واسعا وفضفاضا يحتمل العديد من التأويلات الأمر الذي يوسع من صلاحيات الملك ويجعله يتدخل في مختلف القايا المتعلقة بالدولة. ويُضيف الفصل 71 أن «المجلس الوزاري» (تحت «رئاسة» الملك) هو الذي يحسم في القوانين الصادرة عن البرلمان (السلطة التشريعية)[17].كما يحسم«المجلس الوزاري» في الكثير من القضايا الأخرى التي تنص عليها فصول أخرى. فلا يستطيع «مجلس الحكومة» أن يحسم إلا في قضايا قليلة وثانوية. بل الفصل 92 يحدد بدقة القضايا التي يُسمح «لمجلس الحكومة» أن يتداول فيها دون غيرها. ويَتّضح مما سبق أن الملك هو الذي يتحكّم في السلطة التنـفيذية.
ونُلاحظ أن هذا الدستور لم يوضح الطريقة التي يحسم بها «المجلس الوزاري» اتـخاذ قراراته. هل بالتصويت ؟ هل بالإجماع ؟ هل بالتّراضي ؟ هل بأغلبية الأصوات ؟ ما هو وزن رأي رئيس الوزراء بالمقارنة مع وزن رأي الملك ؟ وما العمل إذا تجرأت أغلبية الوزراء على معارضة رأي الملك ؟ هذا الغموض مقصود. الشيء الذي يُؤَوّل على أن كفة الملك (باعتباره «رئيس» المجلس الوزاري) تظل هي دائما الغالبة. أي بعبارة أخرى، كأن الملك يتمتـع ب «حق النـقض»، أو «حق فيتو» (Droit de veto) شامل ومكتوم، على مجمل أعمال «المجلس الوزاري»، وعلى «مجلس الحكومة»، وكذلك على منتجات مجلس النواب. وهذا يؤكد أن سلطة الملك تهيمن على السلطة التنـفيذية، وأن الفصل بين سلطة الملك والسلطة التنـفيذية غير موجود في هذا الدستور.
ويضيف الفصل 49 : «يتداول المجلس الوزاري في ... التـعيين، باقتراح من رئيس الحكومة، وبمبادرة من الوزير المعني، في الوظائـف المدنية لوالي بنك المغرب، والسفراء، والولاة، والعمال، والمسئولين عن الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي، والمسئولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية»[18]. معناه أن رئيس الحكومة يقترح مُرشّحين للمناصب العليا، لكن الملك هو الذي يحسم عمليا، وفي آخر المطاف، من خلال «المجلس الوزاري»، في تـعيين هؤلاء المسئولين الكبار في أجهزة الدولة، مثل العُمّال، والوُلاّة، والمُدراء العامّين للمقاولات العمومية، ومديري الأمن، وغيرهم. وذلك عبر «حق فيتو» شامل ومُسْتَـتِـر.
وزيادة على ذلك، كل المسئولين الكبار في أجهزة الدولة، الذين يُعَيّنهم المجلس الوزاري أو الملك، يجبرون على أداء يمين خاص، أمام الملك، وأمام كاميرات التلفازات(أي أمام الشعب). ويقسمون بالعبارة التالية : «أقسم بالله العظيم، أن أكون مخلصا، لديني، ولوطني، ولملكي، ... ». وهذا القسم الإجباري، يلزم الموظّف المسئول بأن يكون، أولا وقبل كل شيء، «مخلصا» للملك، وليس للحكومة، ولا للدولة، ولا للشعب. ويَفرض هذا القسم على الموظف السامي بأن يضع الملك في مرتبة الدين كله، أو الوطن كله[19].بينما تجارب الشعوب تـؤكّد أنه من الممكن أن يصبح ملك مَا في تناقض مع الدّين، أو مع الوطن، أو مع الشعب. ويَتّضِح هنا أيضا، أن كل شيء في هذا النظام السياسي مُسَخّرلخدمة الملك وحده.
وبِالتّالي فإن أجهزة الدولة الأساسية تبقى خاضعة للملك، وليس لرئيس الحكومة. وتظل صلاحيات السلطة التنـفيذية خاضعة لسلطة الملك، بسبب تمتـعه ب "حق فيتو" شُمولي ومكتوم.
الفقرة الثانية : احتواء المجلس الوزاري للمجلس الحكومي :
ان مقارنة بسيطة بين لائحة القضايا التي يختص بها المجلس الحكومي الفصل 92،وتلك التي يضطلع بها المجلس الوزاري الفصل 49 تؤكد ،بما لا يدع مجالا للشك، أن المجلس الأخير يظل بمثابة السطة التقريرية الأكثر فعالية وأهمية في مجال لسلطة التنفيذية. فبالرغم من الايجابيات التي جاء بها التعديل الدستوري ، إلا أن المجلس لا زال يحتفظ بصلاحيات إستراتيجية وتحكمية وتوجيهية[20]. وحتى المستجد الخاص بترأس الحكومة للمجلس الوزاري ، فإنه أمر متحكم فيه حيث يكون وفق جدول أعمال محدد[21] ، ولا شيء يمنع الملك من الإمساك المطلق عن منح هذا التفويض مهما كانت الظروف ، خاصة وأن الدستور لم يحدد دورية لاجتماع مجلس الوزراء.
إن رئيس الحكومة ملزم كذلك باطلاع الملك على خلاصات مداولات مجلس الحكومة "الفقرة الأخيرة من نص الفصل 92" ، مما يؤكد الوصاية الملكية التي تعمل تحتها لحكومة والتي لا يمكن أن تشتغل بمعزل عنها[22] . وهو ما يدل على أن لمراجعة الدستورية لسنة 2011 كرست مركز الملك ، كمتحكم في السلطة التنفيذية ومحدد لمسارات عملها واشتغالها ومضمون القرارات التي تفيض عنها ، وذلك من خلال رئاسة الملك لمجلس الوزراء، دون أن نغفل أن هذا الأخير ينظر في قضايا أخرى من مثل مشاريع قوانين العفو العام والمتعلقة بالمجال العسكري وإعلان حالة الحصار وإشهار الحرب ويحال إليه مشروع مرسوم رئيس الحكومة القاضي بحل مجلس النواب وبالنظر كذلك في التعيينات باقتراح من رئيس الحكومة ويحال إليه القانون التنظيمي المحدد للائحة المؤسسات الإستراتيجية.
وهذا يعني أن مجلس الحكومة، حتى وإن تمت دسترته كمؤسسة وتم تخويله حق البت في مشاريع القوانين العادية والمراسيم التنظيمية ، فإن ذلك يتم في إطار الخضوع للتوجهات " الإستراتيجية " التي رسمها مجلس الوزراء .
فمهمة مجلس الحكومة هي تحويل تلك التوجهات إلى قرارات وتدابير والانضباط لسقف ما تقرر في مجلس الوزراء. والملك لا يمارس مجرد رئاسة شرفية أو بروتوكولية لهذا المجلس ، بل يمارس رئاسة فعلية مع كل مترتباتها ، فكلمة " يرأس " تعني هنا أن الملك هو الذي يسير ويقرر .
إن رئاسة الملك للمجلس الوزاري تعني أن السلطة التنفيذية هي في خدمة الملك ، وخاضعة له[23] ، وهو ما اعتبر من النقط التي قد تعيق استقلالية الحكومة ، بشكل يؤدي إلى تقييد عملها وسياستها . وبالتالي يحول دون جعلها سلطة مستقلة.
إن مجلس الوزراء يظل بمثابة السلطة التقريرية الأكثر أهمية في مجال السلطة التنفيذية ، إذ يحتل مكانه أهم من مجلس الحكومة ، نظرا لاحتفاظه بصلاحيات إستراتيجية وتحكيمية وتوجيهية.
ونشير أخيرا أن دستور 2011 لم ينص على ضرورة انعقاد المجلس الوزاري بصفة دورية فهو مازال ينعقد بمبادرة من الملك وليس بمبادرة من رئيس الحكومة رغم أن الدستور أضاف عبارة " أو بطلب من رئيس الحكومة " ، الشيء الذي يعني أن الطلب الموجه إلى الملك يمكن أن يرفض ، كما يمكن لهذا الأخير أن يتجاهله أو أن يجيب عليه بعد شهر أو سنة. الأمر الذي يعطي للملك إمكانية ضبط إيقاع العمل الحكومي والتحكم في ، ويمكن أن يفوض لرئيس الحكومة بناء على جدول أعمال رئاسة المجلس الوزاري .
وعليه فإن المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك يختص بالقضايا الأساسية في الدولة.
وتجدر الإشارة هنا أن النص الجديد تخلى عن بعض الصلاحيات والأوصاف الملكية ، ولكنه في نفس الوقت نص على اختصاصات جديدة . وهكذا فإن المكتسبات التي أعطيت باليد اليمنى قد أخذت باليد اليسرى .
وقد تخلى الدستور الجديد عن الصلاحيات الملكية المتمثلة في " التمثيل السامي للأمة " حيث أصبح الملك رئيسا للدولة وممثلها الأسمى ، لكن هذه الصلاحيات تم تعويضها بصلاحيات جديدة . كما أن شخص الملك لم يبق مقدسا كما كان ينص على ذلك الفصل 23 من دستور 1996 لكنه تم تعويض ذلك بمقتضى جديد ينص على أن " للملك واجب التوقير والاحترام " الفصل 46 كرئيس للدولة وكأمير للمؤمنين .
الخاتمة :
إن دستور 2011 هو نص وضع على عجل ، و في جو طبعه الجري اللاهث خلف هدف محاولة إطفاء جدوة 20 فبراير بأسرع وقت ، أكثر من الحرص على صياغة مقتضيات دقيقة ، ناتجة عن نقاش ناضج و عميق ، و لهذا تضمن النص العديد من التناقضات و البياضات ، و الصياغ المرتبكة و المضطربة ، خاصة أن النص أريد له من البداية على ما يظهر ، الا يؤدي إلى تجريد الملك من عدد من السلطات الأساسية ، و التي بمقتضاها يظل المحدد الأول للخيارات الاستراتيجية و مصدر رسم محاور البرنامج القاري للدولة .
إن المقتضيات الجديدة التي جاء بها دستور 2011 على تعددها و نوعها و غناها ، وأهميتها ، لا تستطيع أن تحجب عنا حقيقة كون الدستور المذكور لا زال بعيدا عن تشخيص قواعد الملكية البرلمانية ، و لا زال يحتفظ للملك بسلطة الحسم في توجهات و اختيارات يتعين ديمقراطيا أن يكون الناخب هو من يحسم فيها ، و أن ينتخب من يتولون أمر تنفيذها و محاسبتهم على ساس ذلك ،خاصة و أن المشاريع السياسية الكبرى للدولة يتم التداول فيها في المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك . و إن كان يمكن له أن يفوض أمر الرئاسة الى رئيس الحكومة ، فإن ذلك يجب أن يتم وفق جدول أعمال محدد ، و لا شيء يمنع الملك من الامساك المطلق عن منح التفويض ، مهما كانت الظروف ، خاصة أن الدستور لم يحدد دورية لاجتماع مجلس الوزراء . و من تم نستنتج وجود نوع من تبعية مجلس الحكومة للمجلس الوزاري . و ذلك بالرغم من المستجدات التي جاء بها دستور 2011 لتعزيز و تقوية دور الحكومة في توجيه السياسة العامة للدولة .
لائحة المراجع :
مراجع باللغة العربية :
الكتب :
· مصطفى قلوش ، النظام الدستوري المغربي ، الطبعة الرابعة ، سنة 1994 ، دار السلام .
· حسن طارق ، الدستور والديموقراطية ، قراءة في التوترات الهيكلية لوثيقة 2011 ، مطبعة طوب باريس ، الطبعة الأولى ، 2013 ، الرباط .
· محمد معتصم ، النظام السياسي الدستوري المغربي ، الطبعة الأولى ، 1992 ، مؤسسة إيزيس للنشر ، الدار البيضاء .
البحوث والرسائل واطروحات :
· بردي عبد العزيز ، مؤسسة رئيس الحكومة في النظام السيسي الدستوري المغربي ، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية سلا ، 2015 / 2016 .
· محمد الأغضف غوتي : الأمانة العامة للحكومة ، دراسة تحليلية من حيث البنية و الوظيفة ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، جامعة محمد الخامس أكدال ، السنة الجامعية 2011-2012 .
المقالات :
· نور الدين جلال ، مقال بعنوان الإصلاح الدستوري بالمغرب بين أحادية المرجعية السياسية و الطلب الاجتماعي ، المجلة المغربية للدراسات القانونية و السياسية و الاقتصادية ، الكلية متعددة التخصصات بتازة .
· محمد مدني ، مقال بعنوان : الدستور الجديد تركيز السلطة وضعف الضمانات ، دفاتر وجهة نظر ، العدد 24 .
· ادريس جنداري ، رهان تحديث السياسي في المغرب و تحديات الموروث السلطاني ، وجهة نظر العدد 52 ربيع 2012 .
المقالات الإلكترونية :
· عبد اللطيف بروحو ، جدول دستوري حول التعيين في المناصب السامية ، على الرابط :
http : //www.politiquetimes.com/Maroc/news.php ?action=view&id=963.
المراجع باللغة الفرنسية :
· عبد الرحمان النوضة ، " Le politique " ، الطبعة الثانية ، 2012 ، مكتبة المعرفة الدار البيضاء .
· Jacques Fournier: " Le travail gouvernemental " , Presses de la fondation national des sciences politiques Dalloz , 1987 .
[1]- الفقرة الأولى ، الفصل 41 من دستور 2011 تنص على ما يلي : " الملك ، أمير المؤمنين و حامي حمى الملة و الدين ، و الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية ... ".
[2] - الفقرة الأولى ، الفصل 42 دستور 2011 تنص على ما يلي : " الملك رئيس الدولة ، و ممثلها الأسمى ، و رمز وحدة الأمة ، و ضامن دوام الدولة و استمرارها....." .
[3] - بردي عبد العزيز ، مؤسسة رئيس الحكومة في النظام السياسي الدستوري المغربي ، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية سلا ، 2015 / 2016 ، ص : 74 .
[4] - Jacques Fournier: " Le travail gouvernemental " , Presses de la fondation national des sciences politiques Dalloz , 1987 , P 226-227 .
[5] - محمد الأغضف غوتي : الأمانة العامة للحكومة ، دراسة تحليلية من حيث البنية و الوظيفة ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، جامعة محمد الخامس أكدال ، السنة الجامعية 2011-2012 ، ص : 203 .
[6] - محمد الاغضف غوتي : نفس المرجع ، نفس الصفحة .
[7] - الفصل 65 من دستور 1972 و الدستور المراجع لسنة 1992 و الفصل 66 من دستور 1996 .
[8] - مصطفى قلوش ، النظام الدستوري المغربي ، الطبعة الرابعة ، سنة 1994 ، دار السلام ، ص : 44 .
[9]- مصطفى قلوش ، النظام الدستوري المغربي ، المرجع نفسه ، ص : 45 .
[10]- حسن طارق ، الدستور والديموقراطية ، قراءة في التوترات الهيكلية لوثيقة 2011 ، مطبعة طوب باريس ، الطبعة الأولى ، 2013 ، الرباط ، ص : 32 .
[11] - محمد معتصم ، النظام السياسي الدستوري المغربي ، الطبعة الاولى ، 1992 ، مؤسسة إيزيس للنشر ، الدار البيضاء ، ص : 252 .
[12] - نور الدين جلال ، مقال بعنوان الاصلاح الدستوري بالمغرب بين أحادية المرجعية السياسية و الطلب الاجتماعي ، المجلة المغربية للدراسات القانونية و السياسية و الاقتصادية ، الكلية متعددة التخصصات بتازة ، ص : 21.
[13] - محمد مدني ، مقال بعنوان : الدستور الجديد تركيز السلطة وضعف الضمانات ، دفاتر وجهة نظر ، العدد 24 ، ص : 102 .
[14] - محمد مدني ،مرجع سابق، ص : 103 .
[15] - الفصل 23 من دستور 1996 : " شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته " .
[16] - الفصل 46 من دستور 2011 : " الملك لا تنتهك حرمته ، و للملك واجب التوقير و الاحترام " .
[17] - عبد اللطيف بروحو ، جدول دستوري حول التعيين في المناصب السامية ، على الرابط : بتصرف .
http : //www.politiquetimes.com/Maroc/news.php ?action=view&id=963.
[18] - عبد الرحمان النوضة ، " Le politique " ، الطبعة الثانية ، 2012 ، مكتبة المعرفة الدار البيضاء ، ص : 93 .
[19] - عبد الرحمان النوضة ، " Le politique " ، مرجع سابق ، ص : 94 .
[20] - محمد مدني ، الدستور الجديد ، تركيز السلطة وضعف الضمانات . مرجع سابق ، ص : 103.
[21] - تنص الفقرة الثالثة من الفصل 48 من دستور 2011 أنه : " للملك أن يفوض لرئيس الحكومة ، بناء على جدول أعمال محدد رئاسة المجلس الوزاري " .
[22] - جلال نور الدين ، الاصلاح الدستوري بالمغرب ، مرجع سابق ، ص : 49 .
[23] - ادريس جنداري ، رهان تحديث السياسي في المغرب و تحديات الموروث السلطاني ، وجهة نظر العدد 52 ربيع 2012 ، ص : 21 .
